السيد محمد تقي المدرسي
16
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
الملاحظة الثانية : أن فكرة الجبر هي السمة الظاهرة لمجمل الاتجاه الثقافي المناهض للدين الإسلامي ، ولذلك اختارها الإمام علي ( عليه السلام ) ، لتعريف المسلمين بخطورة هذا الاتجاه الفاسد ، فسماهم مجوس هذه الأمة ، ولذلك ترى المؤرخين الأوائل ينعتون هذا الاتجاه بهذه السمة ، وقد سبق الحديث عن تبني ( معاوية ) والسلطات الأموية من بعده للقائلين بالجبر ، ولا ريب أن القول بالجبر كان ضمن القول بمجموعة أخرى من الأفكار الفلسفية ، ولكن إنما خصت بالذكر دون غيرها ، لأن المنطلق النفسي للابتعاد عن البصائر الإلهية والاعتقاد بالأفكار الفلسفية ، إنما هو التحلل من المسؤوليات التي يفرضها الإسلام على الإنسان . ولذلك ؛ تجد أن موقع هؤلاء غالباً يكون عند أصحاب الهوى والسلاطين والمترفين . وإذا عرفنا أن المسؤوليات السياسية هي من أعظم المسؤوليات التي يفرضها الدين للمحافظة على استقامة الأمة ، وحرية الإنسان واستقلاله فإننا نستطيع أن نعرف ببساطة ، السبب الذي دفع الحكام الجائرين إلى تبني أفكار الجبر وتشجيع الأفكار الغريبة التي تشوش على الأمة رؤيتها السياسية ، وتكرّس هيمنتهم على الناس . علم الكلام في عهد الأمويين ولم يكن الحزب الأموي - الذي جاء تحدياً جاهلياً صارخاً ضد القيم الإسلامية - يملك قاعدة فكرية في مواجهة الحركة الرسالية التي كان أهل البيت ( عليهم السلام ) يقودونها متمسكين بهدى القرآن وسنة الرسول ونور الإلهام . لذلك ؛ كان هذا الحزب يشجع الالتقاط والاستلهام من المصادر الأجنبية - خصوصاً - تلك الأفكار التي تؤيد استمرار سلطته على رقاب المسلمين ، مثل القول بالجبر الذي شجعه ( معاوية ) ومن خلفه من الأمويين .